صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

3639

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الميعاد ووافيته فيه ، وتوفّى المدّة : بلغها واستكملها ، وهو من ذلك . وكلّ شيء بلغ تمام الكمال فقد وفي وتمّ ، ويقال : أوفيته حقّه ووفّيته أجره « 1 » . والوفاء في اللّغة : الخلق الشّريف العالي الرّفيع من قولهم : وفى الشّعر فهو واف إذا زاد ، ووفيت له بالعهد أفي ، ووافيت أوافي . ومنه الوفاء بالعهد : وسمّي بذلك لما فيه من بلوغ تمام الكمال في تنفيذ كلّ ما عاهد عليه اللّه ، وفي كلّ ما عاهد عليه العباد « 2 » . الوفاء اصطلاحا : قال الجرجانيّ : الوفاء : هو ملازمة طريق المواساة ، ومحافظة عهود الخلطاء « 3 » . وقال الجاحظ : الوفاء : هو الصّبر على ما يبذله الإنسان من نفسه ويرهنه به لسانه « 4 » . والخروج ممّا يضمنه ( بمقتضى العهد الّذي قطعه على نفسه ) وإن كان مجحفا به ، فليس يعدّ وفيّا من لم تلحقه بوفائه أذيّة وإن قلّت ، وكلّما أضرّ به الدّخول تحت ما حكم به على نفسه كان ذلك أبلغ في الوفاء « 5 » . وقال الرّاغب : الوفاء بالعهد : إتمامه وعدم نقض حفظه « 6 » . وقال أيضا : الوفاء صدق اللّسان والفعل معا « 7 » . الوفاء قيمة إنسانية نادرة : للوفاء بالعهود قيمة إنسانيّة وأخلاقيّة عظمى لأنّه يرسي دعائم الثّقة في الأفراد ويؤكّد أواصر التّعاون في المجتمع ، يقول الرّاغب الأصفهانيّ في ذلك : الوفاء : أخو الصّدق والعدل ، والغدر : أخو الكذب والجور ، ذلك أنّ الوفاء : صدق اللّسان والفعل معا ، والغدر كذب بهما ، لأنّ فيه مع الكذب نقض للعهد . والوفاء : يختصّ بالإنسان ، فمن فقد فيه ( الوفاء ) فقد انسلخ من الإنسانيّة ، وقد جعل اللّه تعالى العهد من الإيمان وصيّره قواما لأمور النّاس ، فالنّاس مضطرّون إلى التّعاون ، ولا يتمّ تعاونهم إلّا بمراعاة العهد والوفاء به ، ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفع التّعايش . ولذلك عظّم اللّه تعالى أمره فقال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( البقرة / 40 ) ، وقيل في قوله - عزّ وجلّ - : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( المدثر / 4 ) ، أي نزّه نفسك عن الغدر ، وقد عظّم حال السّموأل فيما التزم به من الوفاء بدروع

--> ( 1 ) لسان العرب ( 15 / 398 - 400 ) . ( 2 ) المرجع السابق . وانظر : بصائر ذوي التمييز ( 4 / 114 - 115 ) . ونزهة الأعين النواظر ( 446 - 448 ) . ( 3 ) التعريفات ( ص 274 ) ، والمناوي في التوقيف ( ص 393 ) . ( 4 ) معنى هذه العبارة : أن الإنسان يصبح رهينة بما ينطق به لسانه ولا يكون وفيّا إلّا إذا حرر نفسه بالوفاء بما التزم به ، وهذا هو مضمون العبارة التالية في قوله « والخروج مما يضمنه » أي خروج الإنسان من العهد الذي قطعه على نفسه وألزمه به لسانه مما ضمنه للغير . ( 5 ) تهذيب الأخلاق ( ص 24 ) ويبدو أن الجاحظ يتحدث هنا عن وفاء بعينه وهو ما تعلق بالوعود المقطوعة للآخرين . ( 6 ) المفردات ( 528 ) . ( 7 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة ( ص 292 ) .